كيف تبني تواصلًا يصل بين القطاعات لا يعزلها

التواصل المتكامل فنّ يربط رسائل القطاعات المختلفة عبر نتائج مشتركة ورسالة واحدة جامعة، بدل أن يتحدّث كل قطاع بمعزل عن الآخر. وفي السعودية، حيث تتوسّع عشرات القطاعات في وقت واحد تحت مظلّة رؤية السعودية 2030، يحدّد هذا الفنّ ما إذا كان المواطن والمستثمر والزائر سيسمعون حكاية وطنية متماسكة أم مجرّد سيل من الإعلانات المتفرّقة. فالسياحة تروّج لوجهات كالبحر الأحمر والعُلا، والترفيه يملأ التقويم بمواسم كموسم الرياض، والصناعة والمشاريع الكبرى تعلن إنجازاتها، وبرامج تنمية القدرات تعلن الشباب الذين تؤهّلهم لسوق عمل سريع التغيّر. وقد تكون كل رسالة متقنة في ذاتها، لكنها تُرسَل غالبًا كأن الرسائل الأخرى غير موجودة، فيُترَك الجمهور ليجمّع بنفسه الصورة الكبرى التي لم يجمّعها له أحد.

هذه هي مشكلة العزل في التواصل. ونادرًا ما يكون سببها ضعف الرسالة، بل كثرة الرسائل القوية التي لم تُصمَّم لتتّصل. وبالنسبة للمتواصلين وصنّاع الرسائل وأصحاب المصلحة العاملين في الجهود الوطنية والمتعدّدة القطاعات، خاصة في اقتصادات سريعة النمو كالسعودية، فالمشكلة ليست في الكمّ بل في الانسجام، أي في كيفية ربط رسائل كل قطاع بسردٍ وطني موحّد دون طمس ما يميّز كل قطاع. وحين يغيب هذا الانسجام، يتّسع الالتباس، وتضعف الثقة والكفاءة، ويصعب الحفاظ على الهوية التي يُفترض أن ترسّخها هذه الرسائل على المستوى الوطني. وهذا المقال يبحث في سبب انهيار التواصل المعزول، وكيف تصنع النتائج المشتركة التماسك، ولماذا تساعد رؤية واحدة موجّهة القطاعات على التحدّث بأصوات متمايزة لكنها منسّقة، وكيف يبدو التواصل المتكامل في المبادرات الكبرى، وأي بنية يحتاجها ليبقى موحّدًا مع تزايد التعقيد.

حين تتحدّث القطاعات بمعزل، يدفع الجمهور الثمن

تتكوّن العزلة لأسباب تبدو منطقية من الداخل. فكل جهة تملك تكليفها الخاص، وتُحاسَب أمام قيادتها، وتقيس نتائجها بمفردها. ولذلك تروي كل جهة حكايتها، بلغتها، دفاعًا عن أرقامها، حتى لو كان هذا الانفصال بالذات هو ما يجعل المنظومة مكلفة. فالأمر منطقي في بنيته، لكنه باهظ في تواصله. وحين تتنسّق هذه الجهات بدل أن تعمل في صوامع منفصلة، يقلّل التواصل المتكامل الجهد المكرّر ويرفع الكفاءة.

الناس لا يعيشون الاقتصاد كمجموعة قطاعات منفصلة، بل يعيشون بلدًا واحدًا من زوايا مختلفة. وحين لا تتّصل الرسائل الآتية من هذا البلد، يلمس الجمهور الفواصل بينها. أما حين تبدو الحكاية متّصلة، فيبني التواصل المتكامل الثقة والولاء بين أصحاب المصلحة. وهذه عملية مستمرّة لا حملة عابرة، ويكفي أن نعلم أن 7% فقط من الموظّفين في أمريكا يرون أن التواصل في مؤسّساتهم دقيق وفي وقته، وأن 74% من أصحاب العمل يرون أن التواصل الداخلي هو ما يصوغ الثقافة والانتماء. فالمستثمرون وصنّاع القرار يلاحظون الفجوات، وكذلك الشركاء. والقطاعات تحتاج تواصلًا في اتجاهين لا بثًّا فقط، وتحتاج تغذية راجعة تُصغي بها بوضوح ما تتحدّث به. فحكاية السياحة وحكاية الصناعة وحكاية المواهب تقف متجاورة دون أن تشرح كيف تنتمي إلى الطموح نفسه، فيبقى الانطباع العام نشاطًا بلا اتجاه.

الجمهور لا يرى قطاعات، بل يرى بلدًا واحدًا. وإن بدت الفواصل بين الرسائل واضحة له، فلأن أحدًا لم يعمل على ربطها من الأساس.

ما يربط القطاعات هو النتيجة لا الموضوع

الخطأ الشائع أن يبحث المتواصل عن الرابط على مستوى الموضوع. فظاهريًّا، لا رابط بين السياحة والصناعة الثقيلة، فيستنتج أنهما لا يمكن أن يتشاركا رسالة. وهذا استنتاج خاطئ، لأن الرابط لا يعيش في الموضوع بل في النتيجة، وعلى المتواصل أن يكتشفه بالبحث لا بالحدس.

فقطاعات مختلفة، تؤدّي أعمالًا مختلفة تمامًا، تنتج النتائج نفسها. فتنمية القدرات والصناعة والسياحة كلها تخلق وظائف وتنمي قدرات منظوماتها، ما يعني أنها جميعًا تخدم رسالة واحدة، وهي اقتصاد يبني الفرص لأبنائه. والسياحة والترفيه والرياضة كلها تصنع تجربة، ما يعني أنها تخدم رسالة وجهة تستحقّ السفر إليها. وتنمية القدرات والتحوّل الرقمي والصناعة كلها تبني الجاهزية، ما يعني أنها تخدم رسالة بلد يستعدّ لما هو آت.

ولذلك فإن أول مهمّة للمتواصل ليست وصف القطاع، بل تحديد أي نتيجة مشتركة يخدمها، لأن تلك النتيجة هي الخيط الذي يربطه بكل ما حوله، وعليها تُبنى أي استراتيجية ناجحة. والحديث الخارجي القوي حول النتائج المشتركة يعزّز حضور العلامة وولاء العملاء. والبيانات تساعد على معرفة أي النتائج أهمّ للجمهور، وتوجيه الرسائل بدل الاعتماد على التسويق الشامل.

المبادرة الواحدة تحمل حكايات قطاعات كثيرة

أوضح مكان لرؤية ذلك مبادرة كبرى واحدة، لأن المبادرة الواحدة لا تنتمي لقطاع واحد أبدًا. وهذا جوهر التسويق المتكامل، أن تُنسَّق كل أشكال التواصل حول مبادرة واحدة، وهو ما يخاطب الجماهير المختلفة بفاعلية أكبر. فالحدث الرياضي الكبير حكاية رياضية بالطبع، لكنه أيضًا حكاية سياحية بسبب الزوّار الذين يجذبهم، وحكاية ترفيهية بسبب الأجواء التي يخلقها، وحكاية تنمية قدرات بسبب الوظائف وبناء القدرات الذين يحرّكهم، وحكاية صناعية بسبب البنية التي يتطلّبها.

المتواصل الضيّق الأفق يرى حدثًا واحدًا فيروي الحكاية الرياضية وحدها. أما المتواصل العابر للقطاعات فيرى الحدث نفسه طبقات متراكمة، ويحتاج تنسيقًا بين التسويق والعلاقات العامة عبر القنوات بدل معاملة الحدث كحكاية قطاع واحد. وهذه مهارة حقيقية، أن تقرأ الشيء الواحد بوصفه أشياء كثيرة، ثم تصمّم لكل جمهور مقاربته حول المبادرة نفسها. وقراءة المبادرة الواحدة قراءة جيّدة هي غالبًا الفرق بين رسالة تصل إلى قطاع ورسالة تصل إلى أمّة، خاصة حين تتكامل الوسائل التقليدية والحديثة لتصنع تجربة أكثر سلاسة حول المبادرة ذاتها. فالإعلان تعبير واحد عن الحملة المتكاملة، ومحتوى التواصل الاجتماعي يبقى منسجمًا مع رسالتها الأساسية، والتغطية الإعلامية تقوّي الحكاية عبر شهادة طرف ثالث.

الملعب الممتلئ ليلة النهائي حكاية رياضية وسياحية ووظيفية ووطنية في آن واحد. والمتواصل الضيّق الأفق يروي الأولى وحدها.

ابنِ رسالة أساسية واحدة، ثم دع كل قطاع يعبّر عنها

إيجاد الخيوط لا يكفي، فلا بدّ من بنية تحملها، وإلا بقي الرابط فكرة لا تصل إلى الجمهور. والبنية بسيطة في وصفها، صعبة في الحفاظ عليها، وهي رسالة أساسية واحدة في القمّة، بشعار وهوية موحّدين عبر القنوات، وتعبيرات خاصة بكل قطاع تحتها لا تناقض الأساس، لأن هذا الانسجام عمل مقصود لا صدفة.

الرسالة الأساسية هي الخيط الوطني الناظم، الشيء الوحيد الذي يقوله كل شيء في النهاية. أما تعبيرات القطاعات فهي كيف يثبت كل قطاع ذلك الخيط بدليله الخاص. عمود واحد وأدلّة مختلفة. ومرجع واحد للرسائل المشتركة يقلّل الالتباس ويبقي الجميع يعملون من النسخة نفسها. فالسياحة تثبت الرسالة بطريقة، والصناعة بأخرى، وتنمية القدرات بثالثة، لكن الثلاثة يدافعون بوضوح عن الفكرة نفسها. وهذا ما يجعل عشرات الجهات تبدو كبلد واحد لا اثنتي عشرة جهة متنافسة يعلو صوت بعضها فوق بعض. وهو ما يتيح للرسالة الأساسية نفسها أن تصل إلى المستثمر والمواطن والجمهور الدولي بنبرات مختلفة دون أن تقول ثلاثة أشياء متناقضة. وفي التواصل المؤسسي، تمتدّ هذه البنية عبر الإدارة والتسويق والاتصال المؤسسي، مع مواءمة القيادة العليا للرسائل عبر الوظائف المختلفة.

على المستوى الوطني يصبح الانسجام كل شيء

حين تتواصل جهات كثيرة تحت رؤية واحدة، يتوقّف الانسجام عن كونه ترفًا ويغدو اللعبة كلها. ويكفي أن 97% من الموظّفين يرون أن غياب الانسجام يؤثّر في النتائج. بينما 56% فقط يفهمون استراتيجية الجهة ورؤيتها. وهو ما يوضّح كم يسهل أن تتشظّى الرسالة الوطنية إلى إشارات مبعثرة. والجهات ذات التواصل الفعّال تحقّق عوائد أعلى بنسبة 47%. فكثرة الرسائل في اقتصاد سريع الحركة تعمل ضد الوضوح بطبعها، إذ يزيد التواصل دون منطق رابط من قلّة الفهم لا من كثرته. لأن كل إعلان إضافي شظيّة منفصلة أخرى على الجمهور أن يوفّق بينها وحده.

وهنا يثبت أنفع المتواصلين قيمتهم. فصقل رسالة قطاع واحد حرفة نافعة. لكن الوقوف فوق القطاعات، وإيجاد النتائج التي تسري فيها جميعًا. وبناء البنية التي تربطها عبر تخطيط وموارد مشتركة، يخلق كفاءة تشغيلية أكبر. فسوء التواصل يترك 75% من الفرق العابرة للوظائف مختلّة، وهذا ما يحدث حين تعمل المؤسسات على التوازي لا في تناغم. والدور الأثمن هو الذي يحوّل النشاط المتوازي إلى سرد وطني متماسك. والتواصل المتكامل يسند بقاء المواهب ويعزّز ارتباط الموظّفين عبر انسجام أوضح.

ستتكاثر القطاعات، وتتكاثر معها الرسائل. والمتواصلون الذين سيهمّون في المرحلة القادمة ليسوا من يجعلون قطاعًا واحدًا يبدو مبهرًا في عزلته. بل من يجدون الخيوط التي تسري في القطاعات كلها. ويبنون الرسالة التي تجعل المواطن والمستثمر والزائر يسمعون البلد نفسه في كل إعلان. ومثال ذلك رسالة أساسية واحدة تمتدّ عبر السياحة والتجارة والسياسة العامة، فيتلقّى كل جمهور الحكاية الجوهرية نفسها. والبنية نفسها حاسمة في التواصل وقت الأزمات، لأن الاستراتيجية المتكاملة تساعد المؤسسات على الاستجابة بسرعة. فالعزلة ليست قدرًا محتومًا، بل ما يتبقّى حين لا يتولّى أحد مسؤولية الربط. وفي هذه المسؤولية سيُنجَز أثمن عمل تواصلي في السنوات القادمة.

العودة إلى المقالات